“صدق غازي وكذب المحللون”

المقال الذي كتبته في بداية حراك فبراير وعزمت على نشره في مدونتي، أرسلت منه نسخة لزوجي عبر الإيميل الذي وصله فارغاً، وحذرني” ما تنشري شي يا كريمة توا لين نشوفوا الوضع كيف” وأنا كلي عناد، سأنشره، لكني لم أجده، فجأة ضاع، بالرغم من نبشي لجهاز الكمبيوتر، صفحة، صفحة، حتى فقدت الأمل وظننتني حذفته دون أن أدري، الان أجده بعد ثلاث سنوات وأنشره والحمد لله وشكرا يا غازي القبلاوي

“صدق غازي وكذب المحللون”

كريمة الفاسي

012345 0123 01234

نتجول بين شوارع لندن ومساحاتها الاسفلتيه وحدائقه وساعتها الـ(بيج بن) والعين والمسلة المصرية، وفي كل ركن تذكار لحرب قاسية أوجعت الجميع ويرفع أهل الضباب شعار(نسامح لا ننسى) ويضعون رمزاً أوعلامة في كل شارع دُمر أو ضُرب بسلاح هتلر النازي، وأخذنا الحديث من الحرب إلى الثورة ومرشدنا السياحي الثقافي هو الدكتور غازي القبلاوي صديق الزوجي الصدوق والأقرب له، الملم بشؤون الانجليز وأحوالهم، وقال لي قولا لا أنساه، قال:

يا كريمة من صنع الثورة في أوروبا واخذ الحقوق من الإقطاعيين وعدل الكفة وجلب كل هذا الرخاء هم الــ(Common People) أي عامة الناس.

وان يبدوا هذا كلام في ظاهره عادي، ولا يحتاج إلى عبقرية ، إلا انه وقع في نفسي موقعا آخر، فانا لم أحيا ولم ادرس ولم يزرع في ذهني فكر عن ثورة من عوام الشعب بل ما تعلمته كانت ثورات وأقول الآن (انقلابات) عسكرية ، ثورة جمال عبد الناصر وثورة القذافي  أو هي ثورة دينية ، ثورة الطلاب في إيران بقيادة الخوميني، وكيف يتأتي لعامة الناس الغير مسلحين والبسطاء والكادحين والمتعبين من تكاليف الحياة بإضرام نار ثورة ضد حكومات وأنظمة مدججة بالسلاح والشرطة وقوات الأمن والغاز المسيل للدموع والرصاص والموت، كيف لعامة الناس إشعال ثورة بأيدي فارغة دون أن يكون هناك تدخل عسكري أو زعامة لرمز ديني.

حفرت كلمات غازي في عقلي عميقا وأدركت أني احتاج أن اعلم ، فأنا لا ادري وادري أني لا ادري؟.ومولعة أنا بالسياسة،  بنشرات الأخبار وبرامج التحاليل السياسية الإخبارية، بقراءة كتب التاريخ وسيرة القادة والزعماء، محاولة فهم ما يدور حولي في عالم كبير وغريب

وثورة يقودها العامة يا (غازي)، كانت (سوسة) في راسي وليست بذرة، تسرطنت فلم تنمو بهدوء ودفع زوجي رامز ضريبتها من جيبه، ثمن أكوام كتب بعد أن أنهيت ما يوجد في مكتبته من كتب قليلة عن السياسة، يبحث لي عن عناوين لمذكرات قادة وزعماء في الانترنت  ويوصي ببعضها من دول مجاورة ولا تشبع دودة الكتب في رأسي، تطلب المزيد فأنا لا أدري وادري أنني لا ادري؟، يخرج محلل/منجم سياسي ويقول :بحر السياسة جف وهناك افق ممتد!.، أتابع حلقات (هيكل) بخشوع وأربط تاريخاً يسرده مع واقع نعيشه، يدس كلاما في حديثه: “أرسل لي أحد القادة يدعوني لبلاده وأنا أعتذر لن أذهب وأنا أعرف أنك تتابع برنامجي”. أنا و (هيكل) والقذافي، ثلاثة، أعرفهما ولا يعرفاني. يحرق البو عزيزي نفسه

فيخرج الشارع التونسي ويخرج ثم ويخرج. سألت نفسي حتى متى؟ والى أين، قال التونسيين: الشعب يريد اسقاط الحكومة، فهل تسقط؟!، ألاقي زوجي حين عودته من السفر وأبشره: ” التونسيون في الشوارع” فيرد علي مستهزئا: “وكان هذا شن بيديروا”. أحدث أقاربي عن حراك تونس فأجدهم لا علم لهم بشئ، ويقولون: ” هذا كله صاير في تونس، منك جديات”.

وسقطت حكومة بن علي، وضعت يدي على قلبي وماذا بعد؟.

 عسر الثورة في مصر من زمن بعيد يراوح، لا تكتمل ولادته، يجهض قبلها أو يولد ميتا.

يخرج المصريون ثم يخرجون، ينامون على أرصفة الإسفلت في هذا البارد القارص ويملأون ميدان التحرير خيم واعتصامات وكرامة فتقول أمي:

النجع المبني في الميدان            لحسني ما فيش مكان

وصلاة جمعة وراء صلاة جمعة والقلوب معلقة بميدان التحرير، وتنتصر الثورة ويغادر الرئيس المصري سدة الحكم، وتقول أمي

النجع المبني في الميدان             قلعها عشة سوزان

يطير عقلي من راسي ، تأخذه الفرحة مني ، يحاول رامز مهاتفة صديقنا نبيل المصري فلا نتمكن من الاتصال بمصر، اصنع كيك الشوكولاته على شكل علم مصر بألوانه الثلاث، الأحمر والأبيض والأسود وأطالب:سآخذه إلى حماتي فأم رامز مصرية وهي السفارة والسفيرة لنا، نبارك ونهنئ، يرفض رامز، اشطح بأفكاري:

خلاص نخرج إلى الشوارع (الفليتشات الاربعة والكلاكس بيب بيب بيب بييييييييب)

يقول رامز: اعقلي وقَرِّي في بيتك وفكيني من الهبال

يتصاعد الموقف، فيحلف بالله لا قناة الجزيرة بعد اليوم في بيتي ثم يهدد، ممكن حتى العربية،

يقف الجدل بيينا ويخرج من البيت لقضاء أمر يهمه  وحين يعود يجدني أملاء جدران البيت باللافتات: الشعب يريد ….

لا للاستبداد، لا للدكتاتورية….

يندهش رامز مما فعلت، يستغربه/يقول: الله المستعان، هذا انا السبب فيه اللي طالقلك ونشريلك في كتابات ونساير فيك.

أقول:

ماحدث في تونس ومصر ليس درسا للحكام العرب فقط بل للأزواج العرب والآباء العرب اللذين لا يسمعون للشعوب، للعامة من الناس

أهدأ، واعتذر من زوجي واطلب الصفح، وأتنفس عميقاً  هواءاً عليلاً، أبارك لكل مصري التقيه، أبارك له الحرية وأرى الشمس ترقص مبتسمة، أهدأ وأتنفس عميقا وأتذكر حديث غازي عن ثورة عامة الناس بدون سلاح وبدون عسكر وبدون رموز دينية أو طائفيه وأفهم:

فأنا أدري وأدري انني أدري.

تختمها امي تقول:

في خطابه قال اوباما        حسرة على حسني واياما

صدقت يا غازي و لافض فوك

ثم ماذا عنا، سنخرج أيضا وسنملء الساحات، سنهتف ضد حكم الدكتاتور، سنعتصم في الميدان وسنعد (سندوتشات التن وشيش الميه)، سأخرج مع طفلي وأمي وأختي، سقط حكم الدكتاتور، رأيته بعيني (شوف العين) يوم سدوا طرقات طرابلس أمام الناس حين استضافوا المؤتمر الاقتصادي الفاشل، ردني رجل الأمن وكنت أحاول العبور الى بيتي وأجبرني أن أسلك طريقا آخر وهو يقول (ممنوعة ياكيا)، فقلت له: “إن أهون البيوت لبيت العنكبوت” فقال،  ” شن تقولي يا أبلة، فعدتها، ” إن أهون البيوت لبيت العنكبوت”.

عدت أدراجي فلم أستطع الوصول لبيتي وأنا أحدث نفسي:”قريباً نهايتك يا قذافي ونهاية بيت العنكبوت”.

19/2/2011

2013 “في أمان الله”

حكمة عن العام الجديدلقد مضى عام2013 وهذه هي الساعات الأخيرة منه. عام بدأته برحلة جميلة الى معرض القاهرة للكتاب بدعوى من وزارة الثقافة وبعد عودتنا بإسبوعين لأرض الوطن تعرضت مع عائلتي لهجوم من مجموعة من المسلحين المخمورين، والتابعين لكتيبة تتبع اللجنة الأمنية العليا، الهجوم الذي أصبت فيه وأمضيت بعدها، ما يقرب من الشهرين في المستشفى حتى وصل الصغير زكريا بعملية قيصرية. نعم في عام 2013 وُلِدَ زكريا، طفلٌ رائع وحياة جديدة. أما أنا ما أن تعافيت حتى عدت لإلقاء المحاضرات وتقديم الدورات التدريبية للسيدات الليبيات في المفاهيم النفسية التربوية والحياة الزوجية وما أجمل المرأة الليبية وهي تبحث عن المعرفة وتحاول صُنع مستقبل أفضل لأسرتِها، في يوم 4/9 أُختطف أخي الأصغر وبدأت حكاية صراع بين عائلة ليبية، هي عائلتي وبين عصابة من عصابات غرغور التي حاولت اختطافي وهجمت على بيت أبي بالأسلحة الثقيلة وأهلي بداخله ثم عادوا واقتحموا البيت وسرقوه وحطموه وقد تمكنت العائلة من الفرار. حاولوا اغتيال والدي، دافعهم الوحيد هو السرقة وبالرغم من وصول الأمور الى حالة من الإستقرار الا أن القضية لم تنتهي ولا تزال عائلتي تسكن بالإيجار في منطقة أخرى ولم تعد لبيتها.

في هذا الصراع عرفت أصدقائي وأعدائي، ساندتني جارتنا وكانت وسيطا قويا لنا مع الثوار الشرفاء، وجدتني وجها لوجه مع الموت والارهاب و منحني الله القوة لأصمد وأشكره على فضله.

2013 سنة سعيدة، تزوجت في آخرها صديقتي الانجليزية الرائعة (هيلينا سيمنس) واحتفلت بزفافها قبل أيام فقط، وكان يفترض بنا أن نكون عائلتها في الحفل وبالرغم من دعوتها لنا لحضور الفرح  وتكفلها بكامل المصاريفزكل تلك المراسلات والمكالمات غير أن المخربين والقتلة من بلادي حالوا دون أن نشاركها أهم أيام حياتها، هي التي كانت سندي في السراء والضراء حين كنت غريبة في بلادها. والسبب تفجير هنا وقتل هناك وخطف وتدمير فأقفلت السفارات الأجنبية أبوابها بما فيهم سفارة المملكة المتحدة فلم نتمكن من الحصول على التأشيرة وأُلغي كل شئ. وغير هذا فقد سافرت مع عائلتي الى تونس والتحقنا بالدورة التدريبة التي يشرف عليها الاتحاد الاوروبي وتنظمها قناة فرنسا 24 عن الصحافة الالكترونية والتدوين، قضينا أوقات رائعة مع صحبة ليبية عربية أوروبية سنفتقدها كثيرا خاصة وأن المشرفة هادية تغادرنا بعد ان انتهى عقد عملها. وأجمل ما قد أُنهي به عام حافل كهذا، محاضرات أُقدمها لطلاب كلية الطب البشري، زملائي وإخوتي  في التجربة الحياتيه، في التخطيط للمستقبل، في تقدير الذات والرضا.

وداع أخير مني لآخر ساعات 2013، أقول: “كل ايام ربي خير، هذا ما كانت تردده#جداي). شكرا أيها العام الحافل الذي أعاد ترتيبي وجعلني اكتشف أي طاقة قد تنفجر في قلب أُم تستميت في الدفاع عن أطفالها وأهلها و وطنها، شكراً يا ليبيا الخير فبفضلكِ أنا إمرأة قوية إن شاء الله.

2013/ في أمان الله

ميعاد الأرانب البرلمانية

تقول (خُرافة) جدتي القديمة أنه ذات يوم خرج الفيل على قرية الأرانب وهدم بيوتهم ورحل ثم عاد في اليوم التالي وهدم ما تبقى منها، ثُمّ عاد في اليوم الذي يليه وهدم ملاجئهم التي لجئوا اليها. واظب الفيل على تنغيص حياة الأرانب فقرروا وضع حد لهذا العدو الغاشم وعقدوا اجتماعاً طارئاً وظلوا يناقشون ويصيحون بحماس: نهجم على الفيل ونضربه ونقتله ونحفر له حفرة يقع فيها ونفقأ له عينه ونغرز فيه رمحاً، هكذا ظلوا يتجادلون ويحلمون طوال الليل وحين طلعت الشمس وبمجرد سماعهم  لرطم خطواته الثقيلة على الأرض حتى صاح الصائح منهم: “كبار (الشعاعيل) يا بنات الأرانب”، و”الشعاعيل” هي جمع كلمة “شعال” وهي نبته صحراوية منتشرة في ليبيا تنمو وتنتشر بالقرب من الأرض. ظلت الأرانب على هذه الحال تجتمع كل ليلة وتحلُم وظل الفيل يهدم بيوتهم كل صباح فذهبت هذه القصه مثلاً. أما “الخراف”، أي القصّ، فله أصول وأحكام فهو ممنوع في النهار وقت العمل لأن “خراف النهار يجيب الفقر”، أما اليوم فالتلفزيون “يخرف في خرافاته” طوال الليل والنهار مع مئات القنوات الفضائية والانترنت والأهم “خراف الفيس بوك” لاينتهي ولا ينضب. وبناءاً على نظرية جدتي فـ”خُرافنا” هو سبب  فقرنا وبسببه نحن شعب “فقري”.

كبرت ورأيتُ ميعاد الأرانب بأم عيني، فقد 1208561_10201991877465129_191704786_nاجتمع ذات يوم “شيابين” ليبيا الحكماء والغير حكماء وفي بعضهم شباب حتى لا نظلمهم. اجتمعوا فيما سُميى بـ”المؤتمر الوطني العام”، وهو مؤتمر منتخب من الشعب الليبي “الفقري” تحت رفرفة سعادة الليبيين وإيقاعات “الزكرة” و”نوبة”: “إلويه إلويه وما تخافيش عليه”، ليقرروا مصير الشعب “الفقري” العظيم في جلسات تُعقد صباح ومساء وتُنقل مباشرة عبر أثير كل المحطات الليبية. وأينما يممت وجهك وجدت المؤتمر يصدح “بشيابينه وشبابه”، في تلفزيونات محلات المواد الغذائية وعند الإشارة الضوئية من مذياع إحدى السيارات. في سوق الخضار ستجد في ركن ما مذياعاً صغيراً يلتصق به البائع وهو يعرض أمامه الباذنجان والكوسى “والخير جاي يا ليبيين… أيها الشعب الفقري العظيم”. وحدث أن خرج علينا أحد “الشيابين” البرلمانيين وصعد فوق الكرسي (وربما الطاولة) في خضم نقاش المؤتمر لشأن ما ورفع الآذان لصلاة ما، وكنّا حينها في شهر رمضان المكرم. وربما كان من الأسهل أن يطلب هذا “الشايب البرلماني” الإذن برفع الجلسة من الرئاسة، اتباعاً لبروتوكولات العمل السياسي المحترم، بدلاً من قطعها بالأذان. ولا أجد تفسيراً لهذا إلا أن يكون هذا “الشايب البرلماني” قد أكل في وقت سابق على السحور “مكرونة مبكبكة حارة” مما أضطره لرفع الجلسة اضطرارياً يضمن له خط سير سريع بين قاعة المؤتمر الفخمة وأقرب دورة مياه.

Sarah Maslati

المذيعة سارة المسلاتي التي طردها أحد أعضاء المجلس الانتقالي من القاعة لعدم ارتدائها الحجاب خلال تقديمها حفل انتقال السلطة في طرابلس

وحدث أيضاً أنه في جلسة كبرى منقولة على الهواء مباشرة صرخ أحد “الشيابين البرلمانيين” على فتاة متأنقة كانت تقرأ كلمة افتتاح في لباس مِهَني محترم: “غطي راسك يامرا”، أو ربما  “غطي راسك يا وليه”. وأخرجوا البُنية يا عيني ودموعها على الخدين، ومعهم الحق، أَفي شهر الصيام تخرُجُ عليهم مذيعة متبرجة وهم في أرذل العمر فإن فسد صيام أحدهم لا سمح الله فماذا نعمل؟ غير أن هناك بُعداً آخر يُقال عنه أنه: “ما وراء الحدث”، وهذا الماوراء سأحاول تحديده، فإن هذا “الشيباني البرلماني”، أطال الله عمره، كان متحمساً لقضايا الوطن وهمومه وهي في كثرتها وتفاقمها تكسر ظهر أعتى الملاكمين فما بالك بشيخ يخطو حثيثاً نحو قبره. ومن كثرة حماسه قرر أن لا يترك كبيرة أو صغيرة تَمُر دون إصلاح من قضايا البطالة والمخدرات إلى “ولية مش مغطية راسها”، والبُعد الماورائي الآخر أن “عمي الحاج” على عِلمٍ بأن ظهره محني وعُكازه قصير، فما كان منه إلا أن سجّل موقفه الفدائي من أجل ليبيا ضد “وليه مش مغطية راسها” لأن ذاك أو أولئك البرلمانيين اللذين “فنّصوا في الولية وهزبوها وطلعوها من قاعة المؤتمر” شهدنا لهم مواقف مُخزية يفرّون فيها مذعورين يتدافعون للخروج من بوابة الطوارئ لما “هدّوا عليهم الصحاح” أصحاب “الاربعتاش ونص والميم ط” من جرحى وقتلى وأمازيغ وزاوية ومصراته وزنتان وموق موق وعزل ومن جديد على طريقة أغنية الأعراس المنقرظة “إلويه إلويه وما تخافيش عليه”. وبعد حين قرر “ميعاد الأرانب” قرار رقم (7) بالدخول إلى مدينة بني وليد لتطهيرها من الأزلام فخرج شبابها القاطنين في طرابلس للتظاهر سلميا أمام “المعتمر الوطني العام” فواجهتهم قوات لحماية المؤتمر قبل أن يصلوه بالسلاح وإطلاق النيران في حادثة لم تتكرر مع غيرهم من فئات الشعب اللذين كلما أرادوا قضاء الحاجة دخلوا بأسلحتهم الى فضاء “المؤتمر” على الهواء مباشرة و”عملوها”!.

الكُفرة تغرق بالدماء والحدود الليبية الواسعة ترحب بكم من تجارة مخدرات وأسلحة وكل شئ والسبب “لا يوجد جيش أوCVB شرطة” غير أنه تحديداً حين جاء الموعد التاريخي في أول عيد أضحى بعد مئة عام ارتفعت الأصوات: “يا ثارات السويحلي” ومع احترامي لشرفاء وأبطال مصراته فأنا هنا أتكلم عن الشراذم والعصابات وأخص ولا أعمم. حين جاء الموعد التاريخي خرج علينا جيش جرار وعتاد  سيقبض  على “خميس القذافي والفقهي وحمزة التهامي” وتلةٌ من الاولين بمباركة من السلطة الدينية العليا في البلاد التي خلطت الدين بالسياسة بالاقتصاد بالعسكر بزواج الليبيات من غير الليبيين بقطر بالعلمانية بالليبرالية “ودارتهم لوسه” ومرة أخرى على طريقة أغنية الأعراس المنقرظة “إلويه إلويه وما تخافيش عليه”. وحوصرت المدينة وقُطعت عنها المواد الغذائية والأدوية حليب الأطفال. المدينة التي أعلنت مرة وراء مرة أنه لا يوجد بها أزلام ووصلتها فرق التفتيش فرقة وراء فرقة وتماماً على وتيرة السيناريو العراقي وجدت نفسها في مواجهة الجيش البرلماني  الموجود والغير موجود ودخل جيشنا المغوار بني وليد وعُلِّقت بشكل استفزازي صورة السويحلي في قلب المدينة على الأرض التي قُتِل فيها وأعلنوا: “ها قد عُدنا يا صلاح الدين”، وألقوا القبض على خميس القذافي والفقهي، أما حمزة التهامي فقد هرب وانطلقت الاحتفالات في طرابلس وأُضيئت سمائها بالألعاب النارية وصوت البارود يُدوي وزغاريد جيراننا البسطاء وبيان من أحد غُلمان “الشيابين البرلمانيين” بالقبض على خميس أفندي وبدى أن لا أحد سواي وزوجي لا يصدق هذه القصة حتى أن جارتي الجميلة الحكيمة الحنون لم تصدقني. كانت تقول: “يا كريمة اهدأي، فقط لأن بني وليد بلدتك لا يستوعب عقلك الصغير خيانتهم… أهدي يا بنيتي”. حتى أن صديقتي الكاتبة الإعلامية الفبرايريه المناضلة رئيسة المحطة الفضائية والتي من بني وليد لم تنم تلك الليلة وهي تتدفق حُبا للوطن ولدرع ليبيا على صفحتها على الفيس بوك الذي أنقذ بني وليد من براثن خميس القذافي النجس. وسهرت طرابلس طوال الليل على أنغام المقطوعة الموسيقية المنقرظة “إلويه ألويه وما تخافيش عليه” فيأتي الصباح و لا وجود لخميس ولا جمعة. غير أن حسابات المصالح والتوادد استدعت من البعض إرضاء “اللوبي الجهوي القبلي المتعصب المنتن”، ومع احترامي لشرفاء ومناضلي ليبيا ومع احترامي لابتسام التي مثلت سلطة رابعة تداعت مع تداعيات الحدث، ومع احترامي لقريبتي المُسنة التي حتى الأمس القريب لا تزال تؤكد أن “درع مصراته” قبضت على خميس القذافي وأنه مسجون في سجونها وقد أَرتها جارتها المصراتية صورته وهو مُعذّبٌ جريح في سجون الحرية وأنهم يخفونه عن جماعة حقوق البهائم (قصدي الإنسان) وأنهم “شايلينه لعوزة” ومن جديد “إلويه إلويه وما تخافيش عليه”. وبني وليد هي المدينة الوحيدة التي “طلعت من المولد بلا حمص” فقد عاقبها القذافي بسبب معارضيه فيها وعاقبتها فبراير بسبب معارضيها فيها. ولايزال “ميعاد الأرانب البرلمانية” يُغازل أمانينا ويدغدغنا و”يشاوخ” عن عدالة انتقالية ومصالحة وطنية وقانون وشفافية في الليل وتدكه “عفسة رجل الفيل الميلشياوي” في الصباح فتضرب مؤسساته ووزاراته وتسيطر على مطاراته وتُقفل موانيه وحقول نفطه وتقصف سفارات الدول الأجنبية التي يستضيفها على أرضه ولا يرف لها جفن فتغتال من “أكبر راس”، سفير أميركا بشحمها ولحمها، وحتى مواطن ليبي مناضل بسيط اسمه عبد السلام المسماري مات وترك لأهله 300 دينار في حسابه المصرفي.

غيرأنّ ليس كل الميعاد أرانب بل هناك رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه  خرجوا في وجه الفيل الميليشياوي المستبد وقال من يعمل يتقاضى أجراً من لايريد العمل  يُستقيل من لايعمل ولا يستقيل يُطرد،  منتسبي اللجنة الأمنية العليا 151 ألف يتقاضون مرتبات عن عملهم فيها  حتى الأموات اللذين لم يعملوا فيها، حتى أن أحدهم يتقاضي في 16 مرتب وهذا ما يُقال عنه (راجل بــ16 الراجل) والدليل أنه  شخص واحد  أقصد لص واحد (يصرف على روحه في 16 المرتب) ينضمون فُرادى الى الشرطة والجيش الوطني أما المؤهلين علميا من لجنتنا الارهابية و(عفواً) فقد فُتِحَ لهم الباب لتأهيلهم كضباط محترمين و توزيع كاميرات مراقبة في البلاد وفرض تأشيرة على الوافدين لليبيا و و و و ، فعلا (راجل) يا (عاشور شوايل) وخسرناك فالفيل (الميليشاوي) مع أن  ذراعه الخرطومي واحد غير أن له ثماني أذرع أخطبوطيه فاسده تُعينه هنا وهناك فله ذراع في المؤتمر العام وله ذراع في المجتمع المدني وله ذراع في السلطة الدينية وله ذراع وساقٌ مع “الزكرة”: (إلويه ألويه وما تخافيش عليه). وخرج (شوايل) بالعزل وبغير العزل.

iouheriogezh

فاطمة الحمروش، وزيرة الصحة في حكومة عبد الرحيم الكيب

وحكاية عِشقٍ بين (شيابين المؤتمر الوطني  وبين الوليه اللي مش مغطية راسها) لا تنتهي، (وياريتها غير مش مغطياته  وزيادة مقرظاته  وفوقها وزيرة ). التي سجلت للتاريخ شهادة مريرة عن غول فساد ابتلع أموال لا حصر لها، إمرأة وأن غادرت الوزارة غير أنها قطعت عهدا بينها وبين الله أن تفضح كل من تاجر في دماء الأبرياء وأساء، تقول في مذكراتها الجريئة هذا بعضُ مختصر منها: “تلقيت وحرسي العديد من التهديدات بالقتل، وجدت أن حراسة الوزارة كانت متآمرة على الوزارة وأن البريد الصادر كان دائما يضيع والبريد الوارد يتأخر، بل وتظهر المراسلات على (الفيس بوك) قبل أن تصل مكتبي بل ووجدت جهاز تنصت” لقد طلبت السيدة الوزيرة (فاطمة حمروش) تغيير كتيبة الحراسه فقام رئيس اللجنة الأمنية العليا بتثبيتها؟!. وأُعيقت كل قراراتها الوزارية تقريبا.(1).

يصدر قرار حكومي بمنح وزارة العدل مقرا هو (متحف ليبيا) بالرغم من اعتراض وزارة الثقافة، قرار لا أجد ورائه أي رسالة سوى أن العدل صار قديما ومنقرظا في بلادي حتى أننا سنحنطه في المتاحف. يجتمع شيوخنا الأكابر للعب بورق اللعب (الكارطة) سترى وتسمع العجائب، عندما (يعنقر الحاج طاقيته ويدير شكبة) سيصرح لنا أنه ذات (عشوية  يلعب في خربقة مع القذافي ويشربوا في شاهي اخضر بالنعناع وبعد  ما “نفوا النفة” قاله يا قذافي انت فاشل وحكومتك فاشلة فضحك القذافي لين طاح على قفاه وعمي الحاج اللي طارتله ناض  وقاله انت مش محترمني كان هذا ما تضحكش على كلامي وطلع من خيمة العزا. قصدي قيطون العز. قصدي المكان اللي كانوا يخربقوا فيه)

وليشهد التاريخ أن المؤتمر الوطني العام المنتخب لم تُطرد منه سوى إمرأة ولم يُمنع ليس من الدخول اليه بل ومن التظاهر سلميا أمام مقره ضد حربٍ ظالمة سوى شباب (بني وليد).

ويستمر الخراف البرلماني

وعاشت ليبيا حرة أبية ودامت “الزكرة رابخه”!

فِرّ يا صغيري إلى بلاد الكفر

106495_7_1377106614

الهجوم بالسلاح الكيميائي الذي وقع يوم 21 آب 2013 في مناطق متعددة من ضواحي دمشق أودى بحياة ما يقرب من 1300 ضحية معظمهم من الأطفال بحسب المنظمات الحقوقية السورية
Photo © AFP

يا طفلي المذبوح على أرصفتنا لا أعتذر لك، أحرقت قلبي وتركتني يتيمة، فاهرب من هذي البلاد ولا تلتفت لي فنحن أهلٌ لا يغمسون خبزهم إلا في الدماء فلا نستحق أن تنادينا: أبي/أمي. كنا شر أمة أُخرِجت للناس حين ضاع الحق فينا، أُخرج من هذه الأرض المسعورة واتجه شمالاً فإن وجدت باباً على سقفه اثنتا عشر نجمة صفراء بشكل دائري على خلفية زرقاء فتمسك بعروته واطرقه ثم طرقه حتى إن التفتوا لك قل لهم: “أرسلتني أمي وقالت لا تعد، فالبلاد موت”.

ataquecriancassiria3rts

Photo © Reuters

هناك يا طفلي الصغير ستلعب بالدمى وتأكل الحلوى وتركض وراء الإوز، سترتاد المدرسة في سلام وستحنو عليك المعلمة وستقف شرطية عجوز أمام مدرستك تساعدك على عبور الطريق فوق الخطوط البيضاء. هناك يا طفلي لا يقتلون الأطفال في العيد ولا يرشونهم بالمبيدات. وإن تبنتك عائلة فسر معهم واسمع لقولهم وتعلم ما يعلمونك ولا تخف فإن لم يعدلوا فاشكوا لمعلمتك فإن لم تعدل فاشكوا لمديرك فإن لم يعدل فللقاضي فإن لم يعدل اطرق باب حاكمهم فهو عادل لبيب قائم بشؤون شعبه ودولته. يا طفلي الصغير لا تذكرني ولا تحن ولا تبكي، فأنا امرأة ارتضت المهانة فأهانوا من أنجبت، وأبوك فقير تعس يركض وراء دراهم معدودات ليشتري لنا بها خبز يبُول عليه حاكم هيئته كهيئة الرجل وقلبه قلب شيطان ونحن نسمع ونطيع. فاهرب يا طفلي ما دمت طفلاً لا سمع له عليك ولا طاعة فلا ينتظرك هنا سوى الموت. يا صغيري، إن أخذك الموت لن تعود، وهو ليس سيئاً غير أن الحياة جميلة وأنت من حقك أن تحيا، فبأي ذنب تموت؟! يا صغيري نحن قوم الجلابيب، لا تجزع إن صفع أباك أُمك وركلها وشتمها وبصق في وجهها، فلا يزال حذاء رجل الأمن مطبوعاً على مؤخرته وخصيتيه محروقتان بالسيجار.

ataquecriancassiria5rts

Photo © Reuters

قد خرجت هاجر الجارية ذات يوم تحمل بين يديها الرضيع اسماعيل تلحق بأبونا ابراهيم تمشي ورائه، حتى إذا بلغ بها أرضاً لا زرع فيها ولا ماء ولا طير ولا ظل تركها وراح يبتعد، وهاجر كانت طاهرة شريفة بين يديها طفل، تلحق بأبينا ابراهيم مذعورة، تسير وتتعثر، تناديه: “لمن تركتنا يا ابراهيم… لمن تتركنا؟!” فيقول: “تركتم لله!”. كان أبونا ابراهيم نبياً، فأحاط الله عائلته بعين الرعاية. من يفهم فجيعة أم تركض بين جبلين وطفل جائع يبكي وأرض خواء. اركضي يا هاجر إلى جبل الصفاء، اركضي ياهاجر إلى جبل المروة، أيُ نارٍ تحترقين بها وصوت صراخ الطفل الجائع يفتُ الكبد، أي ضياع ذقت لوعته حتى أسقاك الله زمزم. ومنذ تلك الأيام يا طفلي، منذ أكثر من ألف عام وربما ألفين، ونحن يتركنا رجالنا غير أنهم ليسوا أنبياء ونحن لسن مثيلات هاجر.

يا صغيري منذ أكثر من ألف عام رأى أبونا ابراهيم أنه يذبح الصغير اسماعيل، وأطاعه الطفل. يا فجيعة هاجر المكلومة وذعرها! غير أن ابراهيم كان نبياً ودعاء هاجر مسموع، فأنزل الله الفداء ليُذبح بدل الولد. هل فهمت الآن يا طفلي لماذا نحن نذبح أولادنا في هذا الزمان؟ لأننا لسنا أنبياء فنذبح أولادنا ونذبح الفداء فلا نترك شيئاً من رائحة الشواء. ويهرول الملايين منّا بين الجبلين في كل عام ونحمل زجاجات ماء زمزم هدايا نتضرع ونبتهل عن كل جرعة نحتسيها من الماء المبارك ونتمنى الأمنيات ونغفل أن زمزم كان من أجل أم، وأن السعي بين الصفا والمروة من أجل أم، وأن الفداء نزل لكي لا يُذبح الولد. اهرب يا طفلي فنحن نذبح أولادنا ولسنا أنبياء.

جواز سفر… يوميات امرأة ليبية

Libye-amazighe11ذات عشية، كنّا نتجول في ميدان الشهداء فوقعت عيني على قطعة مرمية على الأرض وهي ربطة معصم مصنوعة يدوياً من الصوف بألوان بهيجة. وحين التقطتها وجدتها “العلم الأمازيغي” فاحتفظت بها وحين عدت لمنزلي علقتها عند المدخل بالقرب من علم الاستقلال وكانت دائماً محل تساؤل لكل زائر تقريباً يدخل بيتي، أما الضيوف الأجانب فإنهم يسألونني مباشرة لحظة وقوع أعينهم عليها: هل أنتم أمازيغ؟. أنا لست أمازيغية، وبداية معرفة حقيقية لي بــ”الأمازيغ” كانت من خلال صديقتي هالة، وفي الحقيقة فهالة أيضاً ليست أمازيغية إنما والدتها كذلك وكانت قد تزوجت من رجل عربي في وقت لم يكن هذا سائداً أو مقبولاً حتى!. وهذه حكاية تستحق أن تُروى، فوالدة هالة، التي لا أعرفها إلا من خلال الهاتف، ذات صوت رقيق جميل يصلح لأداء أصوات الفتيات الجميلات اللواتي يقعن بين براثن الساحرة في أفلام الكرتون؛ أسلوبها لبق ومهذبة ويقال أنها جميلة. خريجة كلية الهندسة قسم الكهربية. تزوجت من رجل عربي وسيم هو الباشمهندس محمد فأنجبت له ثلاث بنات وشاب ورثوا عن والديهم الأدب واللباقة. جد هالة لأمها أو “جديدة”، كما تعودت منها أن تناديه، وافته المنية قبل أن تتحقق أمنيتي بلقائه رحمه الله. كان أحد الشهود العيان اللذين حضروا كلمة الشيخ زايد آل مكتوم عندما أجريت له عملية على عينه في مستشفى أنذير الخاص والتي تمنى فيها أن تصبح دبي يوماً ما مثل طرابلس. جديدة (أو جد هالة) كان رجلاً مستنيراً واسع الثقافة ولا أزال أذكر أن هالة كانت تستعير منه الكتب وبعضها عليها توقيعات من كتّاب وشخصيات معروفة. زَوّج ابنته إلى عربي في وقت كان الكثير من الليبيين يحافظون على نقاوة العرق فلا يختلطون بدماء أخرى عن طريق النسب. كانت هالة ولا تزال صديقتي العربية/الأمازيغية.

كُتِب علينا كجيل، وُلِد في ظل حالة من الرجعية الفكرية، أن نكتشف المفاهيم الحضارية بأنفسنا ليتعرى قبح أن تكون متعصباً لجنسك أو لونك أو عِرقك، أن تزدري الآخر لأنه أمازيغي أو عربي، أن ترفضه وتنبذه لأنه “تارقي” وتعيبه لأنه أسود (تاورغي) وكثُر هم أولئك الذين يقولون بأن تاورغاء أفارقة سود وعليهم العودة لأفريقيا. وصفها الرسول الكريم بأنها “منتنة”، أي العصبية، وفي هذه الأيام الكثير من النتانة والعفن التي تفوح من وجوه ضربها القبطي الذي سار من مصر إلى جزيرة العرب حتى يلتقي سيدنا عمر بن الخطاب ويشتكي له أن ابن عمرو بن العاص ضربه بالسوط وقال له: “أنا ابن الأكرمين”، فاستدعاهما عمر بن الخطاب على عجل ووضع السوط في يدي القبطي وقال له: “اضربه واضرب أباه فقد ضربك بسلطانه”. كم من السياط نحتاج الآن لنصفع وجوه نتنة قبيحة تنز عنصرية وقبلية بشعة.

في طفولتي الباكرة جيراننا في “الزنقة الورانية” كانوا “جبالية”، يتكلمون لغة خاصة بهم، بيض البشرة وعيونهم ملونة وليسوا على تواصل مع جيرانهم العرب. كنت طفلة ألعب والذاكرة تختزن. وفي الجامعة كانت لي زميلة أمازيغية ندرس معاً، غير أنها كانت إذا التقت إحدى بنات عِرقِها تنقطع للحديث معها باللغة الأمازيغية غير مهتمة بوجودي. لم يكن يضايقني حديثها بلغتها، غير أن أسلوبها الفظ في استعمالها هو ما جعلني أبتعد عنها. أذكر زميلات أخريات كن  يبدأن النميمة في غيبة إحدى الفتيات بمجرد أن تغيب فقط لأنها زوارية ولا يدخرن جُهداً في الانتقاص منها ومن عِرقها. وحدث التصرف ذاته من نساء بولنديات كُن يدرسن معي اللغة الإنجليزية في بريطانيا، وكنا نجلس في مجموعات تتكون من ثلاث الى أربع أشخاص في فصل دراسي به 22 طالب، 17 منهم بولنديون (16 إمرأة وشاب واحد)، لذا كانت فرصة وجودي في مجموعة كلها بولنديات كبيرة. وكن يتناقشن فيما بينهن حول أسئلة درس اللغة الإنجليزية باللغة البولندية غير معيرات أي اهتمام لوجودي وأن الدرس هو درس إنجليزي وليس بولندي. وفعلاً كنت قد حفظت بعض كلمات بولندية منهن مثل “تشا تشا” التي تعني “مرحباً”. اكتشفت لاحقاً أنهن تقريباً جميعاً يفعلن الشئ ذاته مع الجميع ولم تفيد الشكوى للمعلمة فقاطعتهن وانتظمت في مجموعة مع فتاة تشيكوسلوفاكية كانت تعاني من نفس المشكلة معهن وشاب كردي ورابعتنا بولندية مهذبة.

وفي بريطانيا أيضاً، وفي محاولة مني لعمل تحقيق صحفي عن المدرسة الليبية البائسة في نيوكاسل، أجابت المعلمات عن أسئلة التحقيق عدا واحدة أعادت لي الاسئلة طالبة مني ترجمتها للغة الإنجليزية لأنها لا تفهم العربية فهي أمازيغية. ومن خلال حديثي معها عرفت أنها خريجة كلية العلوم جامعة طرابلس وأنها وُلِدت وعاشت كل عمرها في ليبيا وأتمت تعليمها في المدارس الليبية مما يعني أنها كانت تدرس باللغة العربية وأنها مبتعثة لتحضير رسالة الماجستير في الرياضيات من الدولة الليبية. السؤال الذي لم تجبني عنه حين سألتها إياه هو: “بأي لغة تصلين وتقرأين القرآن؟”.

في الحقيقة جميع الأطراف مذنبة إلا ما رحم ربي، ولا سبيل لنا للعيش في سلام إلا إذا ارتقينا بأرواحنا عن هكذا دنس.

خرجت مظاهرة الأمازيغ للمطالبة بحق دسترة اللغة الأمازيغية. المظاهرة كانت مصرح لها، ولن أخوض في هذا الشأن، إنما سأخوض في السلوك. فقد انتهت المظاهرة بأفعال شغب وعربدة وتحطيم لمحتويات المؤتمر الوطني وهذا ما أثار استياء الجميع. لكن هناك وجهاً آخر للقصة، “وجهٌ أمازيغي جميل” يقول السيد شكري في يومياته على صفحته بموقع فيس بوك:

Shukri Said Ftis

14 August

يوم أمس دهبت باكراً أمام المؤتمر وبدء الناس بالوصول وبعض وسائل الاعلام وكانت هناك سيارات توزع الماء البارد وكان هناك معرض للصور التاريخية والسياحية واللوحات الفنية وبعض نشاء السياحة و التاريخ تشرح للحضور الامازيغى و العربى عن تاريخ الامازيغ و صلتهم بالعرب و الحب الدى يجمعنا كانت مظاهرة رائعة راقية و بدات استخدم اكياس القمامة السوداء لتجميع العلب الفارغة و زجاجات المياه الملقاة لما يقارب 3 ساعا ت حتى انقصم ظهرى و انا لست بصغير السن و كان همى ان تنجح هده التضاهرة و فجاءة بعد بيان المجلس الاعلى للامازيغ الدى تلاه السيد زكرى و دكر فيه ان الموءتمر رفض المدكرة و مطالب الامازيغ ولم يحترموا ليبين اتو من الاف الكيلومترات و منهم شيوخ و عجائز حدث اطلاق نار فى الهواء من حرس الموءتمر لاخافة الجمهور وكان هدا بداية الفتيل حينها هجم صغار السن على مدخل الموتمر و تهشم الزجاج الامامى و دهبت ادراج الرياح كا ما قمنا به نتيجة تحريض بعض المغرضين بصغار السن من الامازيغ و استفزازهم و لعدم وجود قيادة فعلية حدث ما حدث و انا اسف على كل شىء بالدات ظهري الدى يوءلمنى اليوم بعد عمل انتهى الى فوضى و الاف من العلب المتناطرة فى الطريق و تم خداعنا مرة اخرى من قوى تعرف كيف توءجج النار و تدعو الى الفوضى ما حدث يتطلب من الامازيغ اعادة الحسابات و تغيير ما يسمى بالمجلس الاعلى للامازيغ و الاعتدار من امانة الموءتمر عما بدر من بعض شبابهم و اشدد هنا ان الحرس المكلف بالعمل تعامل بكل رقى و لطف مع الجمهور و استخدموا كل درجات ضبط النفس.

انتهى كلام السيد شكري.

هذه ليست قصة المظاهرة الأمازيغية بل هي قصة ليبيا كلها، وذات السيناريو يتكرر كل مرة بوجوه جديدة ومسميات مختلفة،  وهذه حكاية الرجل الطيب الذي انحنى ظهره وهو يحاول حتى اللحظة الأخيرة أن يرسل رسالة سلام ليس لليبيا فقط بل للعالم أجمع، أن يترك ورائه أثراً طيباً بل وطلب من أهله الاعتذار عن السلوك المتهور اللامسؤول الذي قام به من يُحسب عليهم، إقرأوا ما كتب هنا:

Shukri Said Ftis

14 August

على المجالس المحلية الامازيغية الاجتماع و تغيير المجلس الاعلى للامازيغ و تكوين قيادة جديدة تتحمل المسوءلية و التقدم باعتدار الى الشعب الليبى عن حادثة الاقتحام الموءتمر و البدء بسياسة جديدة للمطالبة بدسترة اللغة و ترسيم الحق الامازيغى لنثبث اننا فعلا جزء من النسيج الاجتماعى الليبى بما فيه حتى من (عفسات).

ثم هنا أحد الردود:

Arebi Nezdef

البحث عن الحقيقة مطلوب….ما الذي دعا خالد زكري لذلك التصرف ؟

August at 16:19

Arebi Nezdef

وهل اعتذر من قبلكم ؟ الشعب الليبي……؟ ما الذي قدمه الشعب الليبي لهذه القضية ؟

14 August at 16:22

انتهى كلام السيد عريبي.

لا أفعل هذا من باب التشهير بالأخ عريبي ولا من باب التملق للسيد شكري، فأنا لا أعرف كليهما وليس لي من مصلحة في هذا إلا كلمة حق أسأل الله أن يوفقني لقولها وأريد القول:

أنا كريمة الفاسي، مواطنة ليبية عربية، أعلن بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عمن يقبل بي ممثل له، أني أعتذر وأني حزينة ويوجعني كثيراً ما طال الثقافة والقومية الأمازيغية من التهميش والظلم ليس فقط المُسيس من جهات الدولة بل كذلك الاجتماعي منه، وأن كل مزايدة من ليبي على ليبي آخر بسبب عِرقه أو لونه أوغيره هو، كما قال رسولنا الكريم، عمل نتن وقبيح. وأنا ادعوكم لطلب صداقة السيد شكري لندعم الحق فينا وبيننا فكفانا خذلاناً للمخلصين من أبناء هذا الوطن. وهذا رابطة صفحته على الفيس بوك  https://www.facebook.com/shukri.s.ftis?fref=ts

وهذا كلام آخر له:

Shukri Said Ftis

14 August

رسالة اخيرة الى الامازيغ مجسلنا الموقر لم يدلى باى بيان للان عما حدث من انتهاك لشرعية الموءتمر الوطنى العام لمادا ام ينتضر تعليمات من الخارج لسنا نحن من يجرى بنا اى كان بمسمى الامازيغ نعم انا امازيغى من زوارة واعتز بهدا لكن اعنزازى ب ليبيا قبل كل شىء اعتزازى بالاسلام دينى و الحمد لله اعتزازى بطرابلس عاصمتنا الابدية الان ساقول اثنثان من النقاط كانت غصة فى حلقى الان طفح الكيل لا يزايد على احد فى الامازيغية و لا تدكروا اى من الابطال السابقون امامى لان اول شهيد امازيغى فى ثورة 17 فبراير المجيدة هو اخى و سندى الشهيد جما ل سعيد فطيس الدى استشهد فى ميدان الجزائر يوم 25/2/2011 وهو يردد بالروح و الدم نفديك يا بنغازى و الثانية هى انا من اول الناس اللدين دخلوا جبل نفوسة من تونس لاغاثة الجرحى و نقلهم الى المصحات فى تونس و حينها لم يكن هناك امارات ولا قطر و لا مخيمات اغاثة الدهيبة و بس اين امازيغ تونس و الجزائر و المغرب و مالى لمادا لم ارى معونات للامازيغ غداء ادوية خيام عيره نحن و العرب كلنا ليبيون خلقنا الله تعالى متساوون فى الحقوق و الواجبات ليبيا امنا و ليبيا وبس لم ارد ان اكتب ما كتبت للمفاخرة لان من يحب يعطى بدون توقع المقابل من اراد ان يحترم هدا الراى فمرحبا به ومن اراد غير هدا اقول له اقطع علاقتى بك انا امازيغى ولكن كل مدن ليبيا و اهاله اهلى وادعو العلى القدير ان يشفينى من داء الفيس بوك حتى ارتاح و اريحكم و دمتم انتم اهالى فاعدرونى لقد تعبت و الله تعبت و اتعبت من حولى استودعكم الله

في صفحة السيد شكري الكثير من النقاشات الحساسة عن موقف الأمازيغ الوطني قبل وبعد ثورة فبراير، لكن للسيد شكري ولآخرين نبلاء على صفحته كتبت هذه التدوينة والقصد منها إذابة الثلج المتحجر على عقليات لا تمل فتنة ومزايدة، للذين يشمتون أو يتشفون أو يزدرون ما حدث في مظاهرة الأمازيغ، أقول لهم: “كفوا ألسنتكم. كفانا فرقة وشتات، إنها ليبيا وإن طال النضال” (الشهيد عبد السلام المسماري).

يا ليلة العيد زعلتينا

عيٌد باهت، لاطعم ولا لون ولا فرح إلا لمماً. عيد مكسور حزين. اعتدت كل عام أن أصنع أصناف الحلويات بنفسي فلا أشتريها؛ أزين البيت ونخرج للشوارع لنلتقي الناس. لم أفعل هذا العام. لا تزال غصة اليُتم في حلقي، التشرد، اللاجئين، المغتالين، المذبوحين، الثكالى.

كانت قصة جميلة، بدأت بـ”طرابلس تصرخ يالله يا الله يالله”، عربدة البارود والموت ونشوة الجهاد وكلمة حق ترتفع في وجه السلطان الظالم: “ياقذافي موت موت، الشعب الليبي كله خوت”. ومات القذافي وافترق الإخوة بل وكأنهم ما كانوا يوماً على قلب واحد، لا إخوة ولا أبناء عمومة ولا حتى “أبناء ضرائر”. العاصمة محتلة من شرذمة كتائب جهوية أسكرها سلطان السلاح فوضعته في وجه الحياة وضربت بعرض الحائط أحلام الليبيين وأمانيهم. الشوارع مليئة بالعصابات واللصوص والقتلة، حكايات العيد ليست عن الفرح بل عن الفقد والموت.

eid shahid

معدلة عن لوحة من مجموعة الشعب السوري عارف طريقه

“أي عيد هذا بطعم التراب في الحلق”، تقول جارتي ولديها ولدان مسجونان بسبب مشادة تطورت الى جريمة قتل المتهمون فيها أكثر من ثلاثين شاباً. تقول بحسرة: “ضحكوا علينا، سرقوا الثورة بعد ما صفقنا وغنينا ودعينا لربي ياخذ القذافي لقينا روحنا نعانوا في ألف قذافي”.

كانت قصة جميلة في رمضان 2011، كانت جارتي الطيبة تقول: “بنصيموه بالميه ونعدوه بالصبر غير ينتلف عنا” تقوي عزائمنا، “مش مهم مافيش كهرباء ومافيش ميه وبنزين ومواد غذائية، المهم يطيح ونرتاحوا منه”. وكان  20 رمضان وانتفضت طرابلس والتحمنا معها، اجتمعنا في بيت أبي، كان طفلي يحيى لم يتجاوز عامين ولأختي ثلاث أطفال ومع أختي الأخرى طفلان. كنا نجمع الحطب لنطبخ عليه فلم يكن هناك غاز. بدأ القصف والتكبير. أخرجنا أبي من البيت خوفاً أن يسقط علينا بسبب قذيفة ما. “سلاح الجراد” يعبر فوق رؤوسنا والجوامع تكبر والثوار يردون على سلاح كتائب القذافي. صعد أخي ذو الأحد عشر عاماً، نسميه “عبدو” واسمه عبد الحميد، صعد فوق البيت غير آبه بصراخ أبي الذي يطلب منه النزول وبدأ بالتكبير: “الله أكبر الله أكبر”، وحملت الريح صوته للمساكن المجاورة فرد عليه صوت آخر في الظلام يبدو أنه في عمرٍ مشابه: “الله أكبر الله أكبر”، حركوا قلوبنا، فرددنا عليه بالتكبير أنا وأختي الصغرى ذات الـ19 ربيعاً فنهرتنا أمي طالبةً منا أن نصمت، لكننا زدنا فبدأ الاطفال بالتكبير ولحق بنا أبي ثم أمي وصوت ذلك الشاب من بعيد يرد علينا من فوق بيته فارتفع صوت من الجامع يقول: شهيد شهيد، إحداهن في البيوت المجاورة بدأت تزغرد، انتشرت الزغاريد والتكبير، مع صوت القصف، خرج علينا “عياد” اللص، تاجر الحشيش يعربد ويشتم وكان ذو صولة وجولة مع سهرات “باب العزيزية”.

جاء أخي الثائر الغائب الذي لم نكن نعلم عنه شئ منذ وقت قال: “سوق الجمعة تحررت وتاجوراء تحررت والشباب في البوابات جيعانين يما شوفيلنا شن ناكلوا”.  لبيك ليبيا، أخرج أبي وأمي كل مدخراتنا الثمينة من المواد التموينية من طماطم وزيت وغيره ونصبت أمي كازانها على الحطب، قالت أختي : “كله هذا بنطيبوه والدنيا مقطوعة وعندنا صغار، خلو تموين على جنب لين نعرفوا آخرتها مرات تصير مجاعة”، فردت أمي: |ربي ما يخليناش”.

إيه ياعيد 2011، والفرحة والتكبير والبشائر، إيهِ ياعيد 2011 والثوار الأشاوس في الجبهات والبوابات، إيه يا عيد الشهداء والنصر، كان لا يزال لدي بعض من “دقيق وزيت وسكر وتمر” في بيتي الذي كان يقع بالمقربة من باب العزيزية، استطعت العودة إليه بعد تحرير معقل القذافي فصنعت أصناف من الحلويات للعيد قمنا بتوزيعها على الثوار.

إيه يا فرحة العيد والعناق في الشوارع، إيه يا دماء الأبرياء والشهداء، إيهٍ يا أمي ويا أبي.

كانت قصة جميلة، عيد 2012، وضعنا أصابعنا في الحبر الأزرق لأول مرة وبصمنا في وجه الورقه البيضاء أمام اسم من نريد انتخابه، والناس طوابير تعلوها زغاريد النسوة “دم الشهداء ما يمشيش هباء”. كنت التحقت بالمركز الانتخابي منذ السابعة صباحاً، التقط بكاميرتي كل تفصيلة تمر بي في يوم مشهود، قال لي الشرطي: “ماذا تصورين؟ هل أنت صحفية؟”، قلت: “نعم، أنا مدونة”، فقدم لي علبة مليئة بالشوكلاته وقال: “خوذي شكلاته قداش ما تبي ، الله أكبر يا حرائر ليبيا، الله أكبر يا بلادنا بنبنوها”. كان عيد 2012 والأماني إن ليبيا “بنخلوها سنغافورة”.

كانت قصة وكانت جميلة وكان عيد. وصلنا العام 2013 ووصل عيده المرير في طريق تسير فيه ليبيا لتصبح صومال بدل السنغافورة على يد مرتزقة الثورة.

ان شاء الله من العايدين ومن الفايزين أيها الثكالى واليتامى والمذبوحين.

الليلة أصبحت يتيمة

الليلة اصبحت يتيمة فلقد اغتالوا طفولتي، اعترضوها وهي تخرج من المسجد بعد صلاة الجمعة وافرغوا النار فيها، حرموني من لعبة العيد الذي سيأتي بعد عشرة ايام، كان قد وعدني بثوب جديد (قفطان العيد) بنفسجي موشح بالزهور واللؤلؤ وبه ربطة على شكل فراشة سأرفرف به يوم عيد الفطر، وحقيبة صغيرة امسكها في يدي أجمع فيها الحلوى التي ستعطيها لي (عميمة وخويلة)، لم نشتري الثوب بعد لانني ناقشته ان لم يكن الحذاء ابيض مع جوارب بيضاء وبه زهور فلن البس (قفطان العيد)، لقد وعدني البارحة (ما تكون بنتي الا راضيه، قفطان العيد والكندرة والشنطة وشن تبي أخرى)،  أريد دميه جميلة وشعرها طويل فاسرحه لها، دميه شقراء ترتدي ثوب أحمر وحين اضغط على بطنها تغني: ” يا لبنية  ويا لوليد، مبروك عليكم هالعيد..يلي لبستوا ثوب جديد” واغنية : “جانا العيد وعيدنا نحنا والوطن و……؟”/قف، هذه اغنية (ازلام) وبالرغم من ذلك فهو (جانا العيد) للطفل اليتيم المشرد المنتهك الحقوق في بلادي، لطفل الملاجئ والمخيمات. (اعذروني خرجت عن النص لنعود الى الحكاية)، كان ابي وعدني بثوب عيد بنفسجي به فراشه وحذاء ابيض وجورب به زهور ودميه تغني وكنا سنشتري (علم استقلال) صغير ارفرف به في يدي ونغني (اننا يا ليبيا لن نخذلك لن نعود..) وسنعود بعد صلاة العيد التي ستكون باكرة جدا عند الساعة 6:46 من يوم الخميس للبيت (وبنعيدوا على جيرانا ان شاء الله من العايدين الفايزين). كانت أمي ستعد كعك العيد والغريبة والمقروظ مع العصير، كنا سنجتمع في بيت جدي ويأتي عمي وزوجة عمي والكثير من الأطفال ومن الكبار. و و

أتعلمون، أنا غاضبة وحزينة، لأول مرة يكذب أبي فلم يشتري لي دمية شقراء اضغط على بطنها فتغني:  معيدين وديما عيد معيدين. فرحانين، معيدين….” و لاثوب ولا حذاء ولن تعد أمي حلويات العيد ولن أفرح مع اصدقائي، لقد رحل أبي مع العيد بعيدا ولن يعودا مرة أخرى حتى أنه لم يسلم علي. الدمية الشقراء وعلم الاستقلال الصغير تحولا الى شرير يقتل الفرح، فلا تتعبوا انفسكم وتشتروا ملابس والعاب وحلوى لأطفالكم، فلن يأتي العيد هذا العام، اختبئوا وخبئوا الصغار الموعودين  بالموت واليتم، احذروا المجوسي الذي كثر نسله فدخلوا المساجد، افرغوا الرصاص في راس ابي وهو يسجد في صلاة التراويح ، اعترضوه خارجا  من صلاة الجمعة، قطعوا الطريق على سيارته بوابل الرصاص فانقلبت به في ايام الصيام، كلكم يتامي فالمجوسي لن يترك ابائكم يزفونكم عيد مات في عيون اطفال مخيمات تاورغاء تحت زغردة السلاح.

سأكبر دون أبي في بلاد تراني عورة تحت مظلة دستور وضعه المجوسي تحت ابطه فانتهك حقوقي ثم اغتصبني ثم قتل أبي واصبحت يتيمة الشهيد بإذن الله عبد السلام المسماري

“ليلة الهجوم على عائلتي” (شكراً اللجنة الإرهابية العليا)

(شكراً اللجنة الإرهابية العليا)

كريمة فرج الفاسي

ما فعلتِه يا ثورة فبراير بالمجتمع الليبي خطيرٌ جدا، لقد كشفت المسكوتُ عنه من عقلية ليبية لا تنفك تتشدق بالتدين وبالإسلام فأفرزت شريحة أثناء الثورة من بعض الموالين للقذافي، المهووسين والقتلة والمارقين اللذين ابتدعوا كل بشع لإرضاء آلة الدم المتوحشة والنهمة لأجساد الليبين وأعراضهم وأموالهم، ثم ومن بعد إنتصارك خرجت علينا ذات الشريحة  بذات الصفات من قتل وتعذيب وخطف واغتصاب غير أنها تقف على الجانب الآخر منتمية الى فبراير الثورة، هكذا ظهر أسوء من فينا حين وضعنا على المحك، ذات المحك الذي أخرج أجمل ما في الليبين من تلاحم أيام حرب التحرير والذي قاد مخاضاً طويلاً وعسيراً لولادةِ حريةٍ  تجرثمت عليها وتكاثرت تكوينات هجينة بعضها سياسي، وأخطرها العسكري فانتشرت على طول البلاد وعرضها تشكيلات لميليشيات مسلحة، بعضها يدعي التوجه الديني والاخر ذو توجهات عصبية جهوية وثالث لا يهمه إلا ما يحمله بين يديه من غنائم وسرقات مستغلين حالة الفوضى التي تعم البلاد وغياب الجيش والشرطة، وكان لي مع عائلتي نصيب من تجربة مع هؤلاء: ثلاث سيارات تتبع اللجنة الامنية العليا بدون لوحات تطوق بيتنا عند الثالثة والنصف صباحا وتهاجمنا عناصرها المدججة بالسلاح والمخمورين معلنين نية السرقة والقتل وهذا ما حدث معي:

“الهجوم”

لست ممن يستغرقون في نوم عميق، وأبسط خشخشة تشق سكون الليل توقظني، وفي هذه الليلة، السبت عند الثالثة والنصف الموافق 22/2/2013 تناهى لسمعي دوس أقدام في فناء البيت قريبا من الباب، استيقظت واعتدلت في  مكاني ظناً أن أخي عاد ومعه بعض الضيوف للمبيت وهذا يحدث كثيرا!، عندما راح الباب يُقرع كنت أحاول إيقاظ أختي الصغرى (18)عام لتفتح الباب فلست بأفضل أحوالي الصحية لأغادر فراشي بسرعة وأنا مثقلة بحملي في الشهر الثامن، ازداد الطرق بقوة وصوت ينادي من الخارج: (افتحوا..افتحوااااا)، فردت أختي الأخرى وهي أم لثلاث أطفال (أن من يطرقُ الباب؟ من أنت؟). في تلك الحظة استشعرت انه ليس بأخي غير أن ظني رجح أنه أحد الأقارب الذي قد يأتينا مسافراً ليجد مكاناً للراحة بعد رحلته من إحدى المدن الى طرابلس، هي ثواني ليس إلا لأدرك أن القارع  لص، لصٌ مخمور بدأ في الصراخ: “هاتوا مفاتيح السيارات اللي قدام الحوش ، طلعوا تريسكم، افتحوا الباب، احنا مداهمة من اللجنة الامنية العليا” والكثير من العربدة. حاولت أختي مجادلته: (كيف نفتح الباب انت سكران شوفلي حد فايق نتكلم معاه والا تعالي بكرة يا مداهمة..الخ)، عندما سألته عن اسمه أجابها (حسين). هرعت استفقد أخي إن كان ينام في حجرته حين اطلق المخمور الرصاص في الهواء فأرعبتني وتعثرت في ثوبي وسقطت على ركبتي وبطني واصبت فيهما. لم أجد أخي في فراشه، انه يبيت في الخارج والوالد والوالدة يبيتان خارجا ايضا في مناسبة اجتماعية ولا أحد سواي مع طفلي وأختاي ذات ال18 ربيعا والأخرى ام الأطفال الثلاثة وأخ آخر يبلغ الـ19 عاما، اجتمعنا تلك الليلة في بيت والدي.

جاء أخي ذو ال19 عاما متعثرا من فراشه يغالب النعاس ويظن ان الوقت عشيه، فقد كان صائما واختلط عليه الوقت  فيما كنت احاول إفهامه أن لا يتكلم بصوت مسموع لعل وعسى تنجح محاولات اختي ومفاوضاتها في إبعادهم، غير أن الموقف تطور بشكل سريع جدا عندما توالى إطلاق الرصاص في الهواء ثم وجهوا أسلحتهم نحو باب البيت محاولين اقتحامه وبدؤا في إطلاق النيران.

أخرج أخي بندقية روسية قديمة وملئها ذخيرة بمساعدة أختي الصغرى، أخذت بعض الاطفال الى الغرفة الداخلية التي كنا ننام فيها بينما قفزت أختي نحو غرفتها مع ابنها وابنتها والتي من سوء حظها كانت مقابلة لباب البيت لينصب عليها وابل الرصاص( الخارق حارق) الذي كان يخترق باب البيت الحديدي وباب غرفتها الخشبي ويصطدم بالحائط ويفزع الصغيران اللذان راحا يصرخان مذعوران.

هي دقائق حتى اشتعل المكان بالرصاص والشتائم والتهديد، عندما سحب أخي تأمين البندقية ليبدأ في الرد عليهم انتبه أحدهم وقال (حيييه صوت سحبة يا اولاد) وكان ردهم على ذاك الصوت جنونيا فأمطرونا بارود وأصيب أخي برصاصة في فخده. اتصلت بزوجي الذي كان يعمل خارج المدينة تلك الليلة وأرعبه ما سمع من أصوات القصف والضرب، بدوره اتصل مباشرة بالنجدة بـــ(1515) وطلب منهم الغوث معطيا إياهم العنوان ورقم هاتف أخي، وفعلا وصلت النجدة لكن بعد أكثر من 4 ساعات من وقت البلاغ وبعد أن أنتهى كل شئ، وجدوا أخي يجلس أمام فناء البيت وبيده بندقيته ورد عليهم حين سألوه : (احنا جانا بلاغ عن مداهمة هنا؟ وينها و وين ترخيص سلاحك؟!)،  فرد عليهم (انا بروحي ردع مش مستحقكم، صح النوم) وطردهم.

الهجوم بدأ الساعة 3:36 واستمر حتى الخامسة صباحا قاومهم أخي قدر المستطاع ورد على نيرانهم الكثيفة بعزيمة وبمساندة أختي الصغرى، أنظر اليه وأقول: سبحان الله لقد وضع الله فيه قوة 100 رجل، كان يرمي عليهم الرصاص من خلف الباب ثم يقفز الى نافذة الغرفة المجاورة ويعود للباب مرة أخرى واختي تسانده وإن كان هناك سلاح آخر لأبلت مثله وربما يزيد، هذه المناورات والقنص من عدة أماكن جعلتهم يظنون أن هناك أكثر من شخص مسلح داخل البيت وعتاد وذخيرة، وكونهم ثمالى كان تركيزهم على الباب فقط دون أي مناورات أخرى فقد أعماهم الله. بكاء أطفال اختي ونواح أمهم جعلهم يظنون أن هناك قتلى في الداخل، حاولت أختى الصغرى أن تستنجد بالجيران وراحت تصرخ من نافذة الغرفة الخلفية بعد أن اشرعتها غير مهتمة أن قنصوها برصاصهم،  ولا مجيب لاستغاثتها. خطر ببالي ماذا لو نتسلل من الباب الخلفي الذي لم ينتبهوا له. ماذا لو نركض حتى نصل إلى أحد جيراننا فإن اقتحموا البيت وجدوه خالياً، غير أن الحي الذي نسكنه عبارة عن بيوت في أراضي زراعية تفصلها عن بعضها مسافات واسعة وكانت فكرة غيرذات نفع بوجود الكثير من الأطفال وأنا يثقلني حملي في الشهر الثامن لا يمكنني الركض.

كلما ارتعد الباب يسألني صوت في داخلي: هل فُتح؟ هل اقتحموه وابتهال لله وحده، الرصاص يصدع في كل مكان، على الجدران والنوافذ وفي السماء، ومع اقتراب آذان الفجر وخروج المصلين للصلاة أمل في فرج من الله قريب، وغوث منه في فئة ظالمة ما انفكت تهددنا بالقتل والسرقة.

“ما بعد الهجوم”

شقشقة الضوء بدأت تكشف سترهم، الباب متماسك رغم مطر الرصاص والذخيرة التي أفرغت فيه صهرتا ضفتا الباب فالتحما وصمد الجسد الحديدي أمام نيرانهم، حدثت المعجزة حين لم يكسر قفل الباب بالرغم من محاولاتهم تفجيره فتجد الرصاص مغروس حوله مخطئا هدفه بفارق ملليمترات صغيرة، لم يكسروا القفل فلم يُفتح الباب بعد كل هذه الوحشية ركبوا في سياراتهم وغادروا. في تلك اللحظة كانت السيارات الثلاث في مرمي رصاص سلاح أخي الذي أوشك على قنصهم حين راحت أختي الصغرى تتوسل إليه بأن يتركهم يفرون فنحن لا نريد أن نقتل أحد، واستجاب لها.

أول الواصلين كان جارنا، الرجل الطيب في آخر ستينيات العمر، عندما تأكد من مغادرة السيارات المعتدية جاء زاحفا على وجهه يرتعد في ذلك البرد الشديد ويعتذر أنه لم يتمكن من مساعدتنا فليس بيده حيلة أمام ذلك العتاد أما غيره من باقي الجيران فقد أنكروا  أنهم سمعوا أي ضجة !. وصل أبي وأمي في حال انهيار تام وكانت أمي تتفقدنا الواحد تلو الآخر غير مصدقة أننا بخير، أخذ زوج أختي أخي للمستشفى لإسعافه من إصابته، ثم وصلت جارتنا زوجة الرجل الطيب وهي مفجوعة ولا أزال أتذكر ملامح وجهها وقد كانت في حالة صدمة. في فناء البيت وجدنا كلبنا الوفي يجر مؤخرته بألم وينطوي في ركن بعيد، لقد ضربوا ظهره بأخمص البندقية فكسروه حين بدأ بالنباح عليهم؟ وسيارتي مهشمة تماماً، بالرغم من طلوع النهار وتوافد الناس علينا الواحد تلو الآخر، إلا أن حالة من الريبة والترقب جعلت الجميع ينتبهون لأي حركة غريبة أو سيارة مجهولة تمر فلعلهم يعودون؟.

“تداعيات الحدث”

انتشر الخبر في المنطقة، اتجهنا الى مركز الشرطة  بعد إستشارة المحامي فنصح أن كل من وصل السن القانونية وكان بالبيت ساعة الهجوم يجب أن يفتح محضراً فهذه الجريمة خطيرة لا يسقطها الزمن. مركز شرطة عين زارة أقل ما يقال عنه أنه بائس، جدرانه رمادية موحشة، يخلو من أي أثاث والموجود به هو كراسي ومكاتب عتيقة ومحطمة، داخل حجرة التحقيق أكوام الورق مكدسة في كل مكان مثلما الغبار، انتظرت أكثر من ثلاث ساعات حتى حضر ضابط التحقيق الذي كان في مهمة خارج المركز، في البداية رفض فتح محضر لي عندما عرف أن أخي كان قد سبقني بالتبليغ متذرعا أنه لا يمكن فتح أكثر من محضر لذات القضية وحتى بعد ان قلت له أن هذه مشورة المحامي ظل مترددا، لكنني صممت على إكمال الاجراءات القانونية فوافق وأخذ أقوالي، ثم ماذا؟ سألته، أنا مصابة في ركبتي ولا أشعر أني بخير وسيارتي مهشمة، أجابني: لا شئ على الإطلاق، لا يمكننا فعل أي شئ أكثر من إثبات الواقعة.

في المساء، استيقظت على صوت جدل، قطع قيلولتي الطويلة بعد عناء يوم مرهق في مركز الشرطة، وفيما يبدو أن عودة الشباب المخمورين لمقرهم وتفاخرهم بما حدث وأنهم تركوا ورائهم قتلى انتشر في بين اعضاء الكتيبة التي ينتمون إليها، فتم التحفظ عليهم وجاء آمرها مهرولا لوالدي في إجتماع طارئ من غير موعد حضره بعض وجهاء المنطقة والأقارب اللذين تنادوا مسرعين وتداولت فيه البنود التاليه:

*) ندين ونستنكر العدوان الآثم الذي وقع عليكم من بعض عناصر كتيبتنا والذي تمنينا لو أرديتومهم قتلى.

*)بدورنا قمنا بمعاقبتهم وسجنهم ولن نتهاون معهم وسيتم إحالتهم الى الجهات المختصة لينالوا العقوبة العادلة

يا أخي المواطن:

عائلتك عائلتي وبناتك بناتي ومن وصل الى باب دارك معتدي لا عذر له ونحن بما أننا نعتذر لك ونأسف لما حدث….(انتبه فهذه المرة الأولى التي تعتذر فيها كتيبة لمواطنين) فنحن نود إنهاء الأمر ودياً وعفا الله عما سلف، وغير ذلك فنحن نريد تنبيهك الى:

“البلاد في حال فوضى فلا جيش ولا شرطة،  وهذه الكتيبة مصدر رزقنا ولا نريد أي شبهات حولها ولن نقبل أن يتم حلها كما أنه لا يمكننا أن نضمن الشباب أبدا في حال ما قررتم تصعيد الموقف، لا نضمن أن لا يعاودوا الهجوم عليكم، لا نضمن أن لا تثأر منكم عائلاتهم (وأنتم جيران؟!)، لا نضمن أنكم ستعيشون في سلام والدولة غير قادرة على حمايتكم”.

حين سمع أخي هذا الكلام خرج عليهم شاهراً سلاحه وقال: ” أنا حسين هذا امتى ما نلقاه بنقتله الى يوم الدين” وغادر. أما عني فقد دخلت إلى المستشفى وتدهورت صحتي كثيراً وكنت قد حاولت الاستئذان من أبي مرارا أن أكلم آمر الكتيبة وأرد عليه وإن من وراء ستار فرفض بشدة وبالرغم مِن أن مَن حضر الاجتماع هم أبي وأخي الأكبر وأزواج أخواتي إلا أن لا أحد منهم كان داخل البيت ساعة الهجوم حتى يوقف ذلك الشخص وهو يلوي عنق الحقيقة بين يديه متلاعباً بها.

الخاتمة:

تم إطلاق سراح المعتدين وهم يتجولون آمنين مطمئنين (أحدهم أب لأربعة أطفال) وعلينا التزام الصمت والتحلي بروح التسامح (فلا نملك غيره). يجب عدم تصعيد الموقف لأن لا وجود للدولة التي ينبغي أن تحمي مواطنيها حتى الآن…كتبت مقالي هذا وفي اعماقي يقين ان دولة الحق والقانون قادمة رغم أنف الأشرار وحتى ذاك الحين لي حق لا أسكت عنه.

ليبيا = العراق؟

4916189393_c7cc9c8de2_z

لا أدري لماذا تكرر ليبيا نفس الخطيئة التي اقترفها النظام العراقي الذي حل محل نظام صدام حسين. لقد عمل النظام الجديد على ما يسمى باجتثاث البعث وكل من له علاقة بالعهد القديم وعددهم بالملايين. فكانت النتيجة أن العراق ما زال يعيش على صفيح ساخن منذ عشر سنوات، لا بل أصبح مقبلاً على ثورة لا تبقي ولا تذر. العهد الليبي الجديد يكرر نفس الخطأ. طبعاً لا نقول عفى الله عما مضى. لا أبداً، لا بل يجب محاكمة كل من اولغ في الدم الليبي من النظام الساقط. لكن هذا لا يعني أن تقصي جزءاً كبيراً من الشعب الليبي. عملية العزل السياسي ستأتي لليبيا بما أتت به عملية اجتثاث البعث في العراق من عدم استقرار وتطاحن داخلي ومقدمات لما هو أسوأ. لقد قال الزعيم السوفياتي الشهير لينين بعد ثورته على القياصرة: سنبني النظام الجديد بحجارة النظام القديم، وبذلك بدلاً من إقصاء كتلة كبيرة من الشعب الروسي قام لينين باستيعابها في النظام الجديد ولمصلحة النظام الجديد. لابأس في إيقاع اشد العقوبات في مجرمي الأنظمة الساقطة، لكن لا لعملية الاجتثاث والإقصاء والعقاب الجماعي للعهود السابقة الذي أتي بعواقب وخيمة على كل من طبقه. والعراق أقرب مثال.